أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
264
قهوة الإنشاء
وسلك نظمي قد غدا منتثرا * والدهر قد أصابني بالعيني « 1 » فيا لها محنة تركت بديع هذا الفن بين أهله غريبا ، وصيّرت جناسه التامّ بعد ما أقمر في أفق الجهل مقلوبا . وسلّطت العجمة على فصيح إعرابه . وكان على كل بيت قفل قافية فدخل شياطين الجهل إليه من غير بابه . فيا حكام الطريق الفاضلية أدّبوا من دخل إلى بيوتكم من غير طريق ، ويا شرب الرحيق النباتي لا تعاكسوا من رام مجانسة هذا الرحيق بغير الحريق . وأرجو أن فحول هذا العصر تدوس على هذا الخارجي بنعالها ، وتخرجه من أبياتها العربية حتى لا يتفيأ جهله بظلالها . ما عرض على موازينه وزن إلا اضطربت وأمست قوتها من الخفة واهية . ونحن واثقون بقوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ « 2 » ، وكم سأل من معرفة الزحاف وقال إنه للعروضيين سميع مطيع . فتأملوا نفور طباعه وما رأوا له « 3 » أقرب من الحزم بعد التقطيع . ولقد رمت الإبهام في تقريظه فوجدت الخناصر قد عقدت على جهله ، وفضل الأدب قد باينه وأبى هذا الفضل أن يكون إلا لأهله ، فإنه ما شرع بيتا إلا حرّفه عن نسمات القبول وتعدّى فيه شريعة العرب ، وقطع أطناب وزنه فلم يثبت له فيه وتد ولا امتدّ سبب : [ من الطويل ] وإني على ما فيّ من حضرية * ليعجبني ظلّ الخباء المشرّع وما ذا أقول فيمن دخلت إلى أخبية بيوته فما وجدت في تلك الأخبية سعدا ، ومازجته بسلاف التقريظ فوجدته قد غرق في سكر الجهل وعلى حدود التأديب تعدّى ؟ ، وعربد على صالح الوزن ففرّ منه . والمرجوّ أن يقيم عليه بالسيف المؤيديّ حدا ، وقد قال المتأدبون : [ من الطويل ] إذا كنت ما تدري سوى الوزن وحده * فقل : أنا وزّان وما أنا شاعر فما تقول في من لم يدخل الوزن إلى بعض أبياته إلّا بغير اختياره ؟ ، ولكن نرجو اللّه أن يسرّ أهل الأدب بعد خراب بيوته بقلع آثاره ، ولكونه « 4 » ابتداء وما أحسن التخلص إلى جهة سالمه ، نسأل اللّه أن لا يحسن له الخاتمه .
--> ( 1 ) بالعيني : ق ، قا : بالعين . ( 2 ) سورة القارعة 101 / 8 - 9 . ( 3 ) رأوا له طا : رأوا اله ؛ طب : راواله ؛ ق ، قا : راواله ؛ تو : رأوله . ( 4 ) ولكونه ؛ طب : يكونه ؛ ق : ولكن .